ملفات ساخنة

الإمارات والسعودية.. من شراكة النفط إلى تنافس النفوذ بعد منظمة أوبك

بقلم: د. هشام الأعور

إعلان الإمارات العربية المتحدة خروجها من منظمة أوبك و”أوبك+” لا يمكن عزله عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة، ولا سيما في ظل التصعيد المرتبط بالمواجهة الأميركية–الإسرائيلية مع إيران. فهذه الخطوة، في جوهرها، تبدو كأنها جزء من إعادة تموضع استراتيجية داخل معادلة حرب تتجاوز بعدها العسكري إلى عمقها الاقتصادي.
في لحظات النزاعات الكبرى، يتحول النفط من سلعة إلى أداة صراع. أي اضطراب في الخليج، وخصوصاً في ممرات حساسة مثل مضيق هرمز، يهدد الإمدادات العالمية ويدفع الأسعار إلى الارتفاع. هنا، يكتسب قرار الإمارات معنى إضافياً: كسر قيود الإنتاج في لحظة توتر إقليمي يمنحها القدرة على التدخل في السوق كـ“صمام أمان” أو كـ“أداة ضغط”، بحسب اتجاه مصالحها.
من زاوية الولايات المتحدة، يتقاطع هذا القرار مع حاجة ملحّة: منع ارتفاع أسعار الطاقة في ظل أي مواجهة مفتوحة مع إيران. فواشنطن تدرك أن كلفة الحرب لا تُقاس فقط عسكرياً، بل أيضاً بقدرتها على ضبط الاقتصاد الداخلي والعالمي. زيادة الإنتاج الإماراتي خارج قيود “أوبك+” توفر هامشاً مهماً لكبح الأسعار، ما يجعل أبوظبي لاعباً اقتصادياً مكمّلاً للاستراتيجية الأميركية، حتى من دون إعلان اصطفاف سياسي مباشر.
في المقابل، تقف الصين والهند أمام معادلة مختلفة. فهاتان القوتان تعتمدان بشكل كبير على نفط الخليج، وأي اضطراب في الإمدادات – خصوصاً إذا تأثر مضيق هرمز – يشكل تهديداً مباشراً لنموهما الاقتصادي. من هنا، قد تجدان في الإمارات مورّداً أكثر مرونة واستقراراً، خارج القيود السياسية لتحالفات الإنتاج، وقادراً على تلبية الطلب في أوقات الأزمات. بهذا، تتحول الإمارات إلى حلقة وصل بين شرق يحتاج إلى الطاقة وغرب يسعى لضبط أسعارها.
أما السعودية، فتجد نفسها أمام اختبار مركّب. خروج الإمارات من الإطار النفطي الجماعي يضعف أحد أدوات النفوذ التقليدية للرياض، لكنه في الوقت نفسه يفتح أمامها مجالاً لتعزيز دور مختلف: دور الضامن للاستقرار الإقليمي. ففي ظل مواجهة مع إيران، تملك السعودية القدرة على التأثير في مسارات التهدئة أو التصعيد، سواء عبر قنواتها السياسية أو موقعها في العالمين العربي والإسلامي. وهنا قد تنتقل المنافسة الخليجية من “من ينتج أكثر” إلى “من يضبط إيقاع المنطقة”.
ضمن هذا المشهد، تبدو دول الخليج الأخرى أمام خيارين: إما التمسك بإطار “أوبك+” كضمانة للاستقرار، أو الانخراط تدريجياً في منطق الاستقلالية الإنتاجية الذي تقوده الإمارات. وهذا ما قد يخلق خريطة خليجية جديدة، عنوانها تنوع في الاستراتيجيات بدل وحدة القرار.
في العمق، ما يجري ليس مجرد خلاف حول حصص إنتاج، بل انعكاس لتحول أكبر: تداخل غير مسبوق بين الحرب والسياسة والاقتصاد. النفط لم يعد فقط مورداً مالياً، بل أصبح أداة في إدارة الصراع الدولي، من واشنطن إلى بكين، مروراً بطهران والرياض.
الخلاصة أن خطوة الإمارات، في هذا التوقيت تحديداً، تبدو كأنها قراءة استباقية لمشهد يتجه نحو مزيد من الاضطراب. فهي تحرر قرارها النفطي لتكسب حرية حركة في لحظة إقليمية حساسة، وتضع نفسها في موقع يسمح لها بالتأثير في توازنات الحرب والسوق معاً. وفي عالم كهذا، لا يعود السؤال من يملك النفط، بل من يعرف كيف يستخدمه في لحظة الصراع.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى